
كتب فهد الريماوي
الشرع" يشرح بلغة التفاؤل وقائع الحاضر ومعالم المستقبل "
كتب فهد الريماوي

حال وجع القلب وتعب الشرايين بيني وبين زيارة دمشق لبضعة شهور يممت خلالها شطر عاصمة الضباب بقصد الفحص والعلاج، وذلك خلافاً لما درجت عليه عاداتي منذ نيف وعشرين عاماً حين ادمنت عشق دمشق، وزيارتها بشكل دوري، والمثول بين يدي قاسيونها الشامخ ابد الدهر·
قبل اسبوعين شفني الشوق الى عاصمة الامويين وحاضرة كل بلاد الشام، وحان وقت اللقاء الذي تأخر عن موعده الزماني والوجداني، وكان لابد من دمشق وان اعتلت الصحة واضطربت خفقات الفؤاد·· ذلك لأن دمشق في موازين احرار العرب، هي السند والعضد والبلسم الشافي والصدر الحنون·
دمشق هذا الاوان واحة امان واطمئنان وارتياح للحاضر، واستبشار بالمستقبل وشموخ في الروح المعنوية، فهي اليوم تحصد ثمار صمودها الباسل في وجه الاعاصير، وثباتها الاسطوري في حومة الصراع، وتصديها الحازم لأرتال الضغوط والمؤامرات، ودفاعها المجيد عن حقها التاريخي في دور وطني واقليمي وقومي محوري ومركزي اعترف به الرئيس الفرنسي ساركوزي قبل بضعة ايام، علناً وعلى رؤوس الاشهاد·
دمشق هذا الصيف عاصمة للمشرق العربي كله، فهي تمور بالحركة والحيوية، وتعج بالآلاف المؤلفة من ابناء بلاد الشام كافة، اضافة الى ابناء العراق وايران وسائر دول الخليج، فلا ترتاد فندقاً او متجراً او متنزهاً الا وتجد الزحام على اشده، والرواد من كل حدب وصوب·
لي في دمشق باقات مدهشة من الاصدقاء السوريين والفلسطينيين واللبنانيين·· قادة مناضلين وكتاباً ملتزمين ومواطنين عاديين اعتز بصداقتهم كل الاعتزاز، ويأتي على رأس هذه الباقات الصداقية الجميلة الاستاذ فاروق الشرع، شيخ الدبلوماسية والاعلام المشهود له بالخبرة والكفاءة، ورجل المواقف العروبية والمبادئ البعثية بمرتبة نائب رئيس الجمهورية، وصاحب اليد النظيفة النابتة وسط حقول الحنطة الطاهرة في سهول حوران·
فور وصولي حاضرة بلاد الشام اتصلت بالصديق الدكتور توفيق سلوم، مدير مكتب الاستاذ الشرع طالباً موعداً للقاء، وبعد مرور اقل من ساعتين اتصل الاخ توفيق، وهو بالمناسبة شديد الشبه بالشاعر نزار قباني، يخبرني ان "السيد النائب" يدعوني لغداء عمل في اليوم التالي، وبعد ان شكرت للسيد النائب هذه الدعوة الكريمة، قلت للأخ توفيق : والشكر لك ايضاً يا توفيق بيك، ولكنه اغرق في الضحك على حين غرة، ثم استدرك قائلاً بظرف شديد : منذ بواكير شبابي وانا احلم واعمل للحصول على لقب "بيك"، وحين شارفت على تحقيق هذا الحلم تغيرت الاحوال، وباتوا يطلقون علينا لقب "رفيق" !!
حين التقيته في اليوم التالي، كان السيد النائب "ابو مضر" في أوج تألقه الشخصي والسياسي كما لو انه اصغر من عمره الحقيقي بعشرين عاماً·· كان بشوشاً ومهذباً كعادته دوماً، غير انه كان هذه المرة سعيداً بما لا تخطئه العين الناقدة، وواثقاً لا اثر لأدنى قلق او توتر في مفرداته، وهو ما سبق ان تجلى في لقاء تلفزيوني بارع اجراه مع فضائية "المنار" على مدى ساعتين اواخر الشهر الماضي·
قلت للسيد النائب : استأذنك في طرح بعض الاسئلة التي لن تتجاوز فترة الغداء، فأنا اول الأمر وآخره صحفي يأبى "فضوله الصحفي" ان يجلس الى نائب رئيس الجمهورية السورية مطولاً دون ان يخرج بحصيلة سياسية وإخبارية دسمة·
قال ضاحكاً : لا بأس·· انت تسأل وانا أسلّم امري الى الله·
قلت : خلال لقاء غداء مع سيادتك قبل عامين في هذا المكان، قلت لي ان عنوان جهود سوريا في المرحلة المقبلة سيكون استعادة التضامن العربي، ولكن اين نحن الآن من هذا الحلم الذي مازال بعيداً ؟؟
قال : يشهد التاريخ ان سوريا كانت على الدوام دار العروبة ومنطلقها، ولقد عملنا جاهدين على مدى العامين الماضيين لاعادة بناء التضامن القومي، واصلاح البيت العربي، غير ان هذا التضامن لا يتحقق وفقاً لرغبة او ارادة سوريا وحدها، اذ لا بد من مشاركة الاطراف العربية الاخرى، ناهيك عن الضغوط والعراقيل الامريكية تحديداً للحيلولة دون وحدة البيت العربي، فقد سبق للولايات المتحدة ان تدخلت بكل الوسائل لتجميد تجمع "اعلان دمشق" الذي كان يضم مصر وسوريا ودول الخليج·
كان مؤتمر قمة دمشق فرصة سانحة لاستعادة هذا التضامن العربي جزئياً او كلياً، ولكن بعض الدول تمثلت في قمة دمشق بمستويات لا تملك حرية القرار والخيار، ورغم كل ذلك فها هو الرئيس بشار يحاول بذل كل ما في وسعه لإنعاش مؤسسة القمة العربية، ومنحها الكثير من الاهمية والفاعلية والاعتبار·
عموماً·· نحن نعتبر الجهود السورية المبذولة لاستعادة الوحدات الوطنية في فلسطين ولبنان والعراق جزءاً اساسياً من استعادة التضامن العربي، وقد بذلنا في الآونة الاخيرة، ومازلنا نبذل، كل الجهد لرأب الصدع وتخليق القواسم المشتركة بين سائر القوى والفصائل والتشكيلات في فلسطين ولبنان والعراق، انطلاقاً من ان سوريا لا يمكن ان تعيش خارج دورها القومي والاقليمي·
قلت : مادامت امريكا وراء فرط دول اعلان دمشق، هل من المستبعد ان تكون وراء تعطيل المثلث المركزي المصري - السوري - السعودي الذي طالما شكل ضمانة وصمام امان للتضامن العربي في اوقات سابقة، فيما نلاحظ اليوم ان العلاقة بين اطراف هذا المثلث قد بلغت حدود الاستعصاء ؟؟
قال : لا توجد حالة استعصاء في العلاقة السورية - المصرية برغم ما يعتريها من شوائب قابلة للمعالجة، اما العلاقة السورية - السعودية فهي دون المستوى الذي نطمح اليه، وهي تحتاج الى جهد مشترك للعودة الى ما كانت عليه ايام المغفور له الملك فهد الذي برع رغم كل الظروف في الحفاظ على بوصلة العمل العربي المشترك والدور المحوري لسوريا والسعودية في ذلك·
قلت : ولكنكم مازلتم تجاملون السعودية، وتتجنبون اي مساس بها وبسياساتها وقيادتها في الإعلام السوري، بينما لا توجد وسيلة اعلامية سعودية او متسعودة الا وتهاجمكم بسبب وبغير سبب·
قال : نحن لا نجامل احداً، بل نراعي ضرورات التضامن العربي ولو في اضيق الحدود، ونرفض الخوض في المهاترات الاعلامية منذ عهد المغفور له حافظ الاسد·· نحن نعرف ان اعلامهم يهاجمنا ويتهجم علينا، بدءاً من سيادة الرئيس، ودون ان يوفروا احداً، فقد هاجموني وهاجموا اللواء آصف شوكت وغيره من القيادات الوطنية، وبثوا حولنا من المزاعم والاكاذيب ما يندى له الجبين، ولكن نحن ندرك ان هذه الحملات الاعلامية هي محض تعبير وترجمة للهجمة التآمرية الكبرى على سوريا·
قلت : ولكن الذي زعم ان اللواء شوكت، صهر الرئيس السوري، ورئيس الاستخبارات العسكرية موجود قيد الاقامة الجبرية، كان زميلكم السابق عبدالحليم خدام، وليس الاعلام السعودي او غيره·
قال : كل ابناء الشعب السوري، وربما الشعب العربي يعرفون خدام كيف كان وكيف اصبح اليوم، وأودّ صادقاً ان تعلم ان اللواء شوكت مازال على رأس عمله، وهو يحظى بكامل ثقة القيادة، ولو كنت اعرف انك سوف تسألني عن اراجيف خدام، لكنت وجهت الدعوة للواء آصف لكي يشاركنا هذا الغداء، لعلك تحكم بنفسك على منسوب التضليل والتزوير في الحملات الظالمة الموجهة ضد سوريا·
قلت : بعد طول تجربتك في العملية السلمية منذ مؤتمر مدريد عام 1991 حتى اليوم، هل تعتقد ان الوساطة التركية بينكم وبين اسرائيل يمكن ان تسفر عن نتائج متقدمة تؤدي الى مفاوضات سورية - اسرائيلية مباشرة ؟؟
قال : نحن نعتقد ان الوساطة التركية قد وضعت العلاقة التركية - الاسرائيلية على المحك، وفي اعتقادنا ان التعنت الاسرائيلي اذا تواصل سوف يكشف للحكومة التركية النوايا الفعلية لاسرائيل·· اما على الصعيد السوري فنحن اعلم الناس بالمناورات الاسرائيلية، وبصعوبات الحل السياسي على جبهة الجولان، ولدينا اعتقاد راسخ ان تحصيل الحقوق الوطنية عبر التفاوض لا يمكن ان ينجح اذا لم يقتنعوا باننا قادرون على تحصيلها بوسائل اخرى·
عموماً·· ثوابتنا في مسألة الحل السياسي معروفة جيداً للاسرائيليين منذ مؤتمر مدريد، وهي الانسحاب التام حتى خط الرابع من حزيران عام 1967، واي طرح اسرائيلي لعلاقة سوريا بايران او غيرها من الدول والقوى، سوف يعني لنا عدم جدية تل ابيب في التوجه نحو الحل السياسي·· فليست سوريا هي الدولة التي تضحي بعلاقتها الاستراتيجية الثابتة مع اصدقائها وحلفائها ارضاءً لاسرائيل او غيرها·
قلت له مداعباً : نحن نعتبرك - بوصفك احد ابناء درعا - نصف سوري ونصف اردني·· فكيف ترى وتريد شكل العلاقة الاردنية - السورية ؟؟
قال : السيد الرئيس على علاقة جيدة ودائمة مع اخيه الملك عبدالله، هذا اولاً اما ثانياً فنحن في حزب البعث كنا قد اتخذنا قراراً في المؤتمر القطري الاخير يعتبر ان جزءاً من قوة سوريا ينبع من قوة علاقاتها مع دول الجوار في الاردن ولبنان والعراق وحتى تركيا التي غادرت سياساتها الطورانية وتمسكت بجذورها الاسلامية·
مؤخراً·· التقيت وفداً صحفياً اردنياً، وقد شرحت له ضرورات وحتميات متانة العلاقة الاردنية - السورية، ولعلك قرأت ما كتب اعضاء الوفد على لساني في صحفكم الاردنية·
قلت : بالأمس كان لديكم وفد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتفتيش على المنشأة التي ضربها اليهود قرب دير الزور·· فهل يكمن تكرار الاكذوبة العراقية النووية مع سوريا ؟؟
قال بغير اكتراث : هذا زمان مضى وانقضى ولا مجال لتكراره مع سوريا، لقد جمع الوفد عينات من تراب تلك المنشأة واخذوها معهم لتحليلها، ونحن واثقون انهم لن يعثروا على اية علائم نووية·
لعلك قد اعدتني بالذاكرة الى جلسة مجلس الامن الشهيرة في الخامس من شهر شباط عام 2003 حيث ادلى هانس بليكس بتقريره حول الاسلحة الكيماوية العراقية، وطالب في ختامه بتمديد مهماته حتى يتوصل الى نتائج قاطعة، ثم ادلى محمد البرادعي بتقريره حول الانشطة النووية العراقية، وكان التقرير مشوباً بالغموض والالتباس، الامر الذي دفعني، وكنت احضر تلك الجلسة كوزير للخارجية السورية، الى طلب لقاء البرادعي رئيس الوكالة الدولية، لكي اقول له : لا تنس انك عربي، وان هذا الموقف محسوب عليك تاريخياً، وان عليك ان تحدد الموقف بدقة، هل هناك اسلحة نووية ام لا·· وقد هزته هذه العبارة بقوة وارتفعت مصداقيته بشكل ملحوظ·
قلت : بالمناسبة، هل ترى ان هناك ضربة امريكية او اسرائيلية متوقعة للمنشآت النووية الايرانية ؟؟
قال سريعاً : مؤكد ان ضرب ايران من قبل امريكا واسرائيل، هو ضرب من الجنون، غير ان استبعاد مثل هذه الضربة نوع من الجنون ايضاً، فكل شيء في خريف ادارة بوش جائز، والعالم الآن يجتاز اصعب المراحل حيث الخيارات ملتبسة وغير واضحة، والدولار يتهاوى امام اسعار النفط التي بلغت ارقاماً فلكية، وليس هناك وجود فعلي للنظام الدولي بعد الانتهاك الامريكي المتكرر لميثاق الامم المتحدة، ويكفي التذكير بأن كل القرارات التي صدرت ضد العراق، منذ قرار حظر الطيران فوق شمال العراق وجنوبه كانت مخالفة نصاً وروحاً لميثاق الامم المتحدة·
قلت : اسمح لي بإبداء اعجابي بسعة افقك وخصب تجربتك وثراء موسوعتك السياسية والدبلوماسية، غير انني اود العودة بالاسئلة الى الشأن الداخلي، وتحديداً ما جرى الحديث عنه عقب تجديد البيعة للرئيس بشار منذ عام مضى، ألا وهو تشكيل حكومة جديدة·· فهل عدلتم عن تشكيل وزاري جديد ام ان الموضوع مازال غب الطلب ؟؟
ضحك كثيراً قبل ان يقول : طوال الفترة الصعبة الماضية كان جل جهدنا موجهاً لصد المكائد والمؤامرات والمخططات الخارجية، ومن هنا فلم يكن موضوع التشكيل الوزاري عاجلاً وملحاً امام هذا السيل من المخاطر والضغوط القادمة من وراء الحدود·· اما اليوم وبعد ان تبدلت الاحوال واستقرت الاوضاع فهناك حكومة جديدة سوف ترى النور قبل نهاية هذا العام·
سوريا تجتاز اليوم مرحلة جديدة تحتاج الى همة جديدة وتفرّغ كبير ومجهودات مضاعفة لملاحقة كل كبيرة وصغيرة، وتداركها قبل ان تستفحل وتتحول الى ازمة، سواء على صعيد الغلاء او الفساد او الروتين او البطالة·· الخ·
دارت عقارب الساعة غير دورة، واوشكت الوليمة الفخيمة على الاستئذان في الانصراف، وبات محتماً طرح السؤال المركزي الذي ادخرته لآخر المشوار·
قلت : سيادة النائب، انا اعتقد ان معجزة حقيقية قد انقذت سوريا من مصير خطير رسمه تحالف الاعداء الاجانب والعملاء العرب، منذ سقوط بغداد في نيسان 2003 والى ما قبل بضعة اشهر فقط·· فهل تشاطرني هذا الاعتقاد ؟؟ وهل تشرح لي حيثيات هذه المعجزة واسرارها ؟؟
صمت بأكثر من المعتاد، ثم قال بتؤدة شديدة: ما تقوله يشكل برهاناً ساطعاً على قدرة الرئيس بشار القيادية، وشهادة له بالحنكة والمهارة الاستراتيجية في التعامل مع الاحداث الصعبة رغم حداثة عهده، يضاف الى ذلك ان لدينا في قيادة الدولة والحزب رؤية واضحة، وعزيمة صلبة، وارادة فولاذية، ووحدة موقف شديد التماسك ولا اثر فيه لصراعات ونزاعات ومراكز قوى·
لدينا في القيادة تراث نضالي عريق في التعامل مع الازمات منذ عهد الرئيس الراحل حافظ الاسد، ونحن في كل يوم نراكم على هذا التراث، ونثبت للقاصي والداني ان الحمى السوري الصامد والمتمسك بالمبادئ والثوابت اقوى من كل مكائد الاعداء والمتربصين، واكبر من كل الذين حاولوا ومازالوا يحاولون النيل من نضاليته وثباته وحرية ارادته وقراراته وخياراته·
نعم·· أنا اتفق معك بان سوريا قد اجترحت معجزة خلال السنوات الخمس الاخيرة، لإنقاذ نفسها مما دبروه ضدها، والله هو الموفق·
حال وجع القلب وتعب الشرايين بيني وبين زيارة دمشق لبضعة شهور يممت خلالها شطر عاصمة الضباب بقصد الفحص والعلاج، وذلك خلافاً لما درجت عليه عاداتي منذ نيف وعشرين عاماً حين ادمنت عشق دمشق، وزيارتها بشكل دوري، والمثول بين يدي قاسيونها الشامخ ابد الدهر·
قبل اسبوعين شفني الشوق الى عاصمة الامويين وحاضرة كل بلاد الشام، وحان وقت اللقاء الذي تأخر عن موعده الزماني والوجداني، وكان لابد من دمشق وان اعتلت الصحة واضطربت خفقات الفؤاد·· ذلك لأن دمشق في موازين احرار العرب، هي السند والعضد والبلسم الشافي والصدر الحنون·
دمشق هذا الاوان واحة امان واطمئنان وارتياح للحاضر، واستبشار بالمستقبل وشموخ في الروح المعنوية، فهي اليوم تحصد ثمار صمودها الباسل في وجه الاعاصير، وثباتها الاسطوري في حومة الصراع، وتصديها الحازم لأرتال الضغوط والمؤامرات، ودفاعها المجيد عن حقها التاريخي في دور وطني واقليمي وقومي محوري ومركزي اعترف به الرئيس الفرنسي ساركوزي قبل بضعة ايام، علناً وعلى رؤوس الاشهاد·
دمشق هذا الصيف عاصمة للمشرق العربي كله، فهي تمور بالحركة والحيوية، وتعج بالآلاف المؤلفة من ابناء بلاد الشام كافة، اضافة الى ابناء العراق وايران وسائر دول الخليج، فلا ترتاد فندقاً او متجراً او متنزهاً الا وتجد الزحام على اشده، والرواد من كل حدب وصوب·
لي في دمشق باقات مدهشة من الاصدقاء السوريين والفلسطينيين واللبنانيين·· قادة مناضلين وكتاباً ملتزمين ومواطنين عاديين اعتز بصداقتهم كل الاعتزاز، ويأتي على رأس هذه الباقات الصداقية الجميلة الاستاذ فاروق الشرع، شيخ الدبلوماسية والاعلام المشهود له بالخبرة والكفاءة، ورجل المواقف العروبية والمبادئ البعثية بمرتبة نائب رئيس الجمهورية، وصاحب اليد النظيفة النابتة وسط حقول الحنطة الطاهرة في سهول حوران·
فور وصولي حاضرة بلاد الشام اتصلت بالصديق الدكتور توفيق سلوم، مدير مكتب الاستاذ الشرع طالباً موعداً للقاء، وبعد مرور اقل من ساعتين اتصل الاخ توفيق، وهو بالمناسبة شديد الشبه بالشاعر نزار قباني، يخبرني ان "السيد النائب" يدعوني لغداء عمل في اليوم التالي، وبعد ان شكرت للسيد النائب هذه الدعوة الكريمة، قلت للأخ توفيق : والشكر لك ايضاً يا توفيق بيك، ولكنه اغرق في الضحك على حين غرة، ثم استدرك قائلاً بظرف شديد : منذ بواكير شبابي وانا احلم واعمل للحصول على لقب "بيك"، وحين شارفت على تحقيق هذا الحلم تغيرت الاحوال، وباتوا يطلقون علينا لقب "رفيق" !!
حين التقيته في اليوم التالي، كان السيد النائب "ابو مضر" في أوج تألقه الشخصي والسياسي كما لو انه اصغر من عمره الحقيقي بعشرين عاماً·· كان بشوشاً ومهذباً كعادته دوماً، غير انه كان هذه المرة سعيداً بما لا تخطئه العين الناقدة، وواثقاً لا اثر لأدنى قلق او توتر في مفرداته، وهو ما سبق ان تجلى في لقاء تلفزيوني بارع اجراه مع فضائية "المنار" على مدى ساعتين اواخر الشهر الماضي·
قلت للسيد النائب : استأذنك في طرح بعض الاسئلة التي لن تتجاوز فترة الغداء، فأنا اول الأمر وآخره صحفي يأبى "فضوله الصحفي" ان يجلس الى نائب رئيس الجمهورية السورية مطولاً دون ان يخرج بحصيلة سياسية وإخبارية دسمة·
قال ضاحكاً : لا بأس·· انت تسأل وانا أسلّم امري الى الله·
قلت : خلال لقاء غداء مع سيادتك قبل عامين في هذا المكان، قلت لي ان عنوان جهود سوريا في المرحلة المقبلة سيكون استعادة التضامن العربي، ولكن اين نحن الآن من هذا الحلم الذي مازال بعيداً ؟؟
قال : يشهد التاريخ ان سوريا كانت على الدوام دار العروبة ومنطلقها، ولقد عملنا جاهدين على مدى العامين الماضيين لاعادة بناء التضامن القومي، واصلاح البيت العربي، غير ان هذا التضامن لا يتحقق وفقاً لرغبة او ارادة سوريا وحدها، اذ لا بد من مشاركة الاطراف العربية الاخرى، ناهيك عن الضغوط والعراقيل الامريكية تحديداً للحيلولة دون وحدة البيت العربي، فقد سبق للولايات المتحدة ان تدخلت بكل الوسائل لتجميد تجمع "اعلان دمشق" الذي كان يضم مصر وسوريا ودول الخليج·
كان مؤتمر قمة دمشق فرصة سانحة لاستعادة هذا التضامن العربي جزئياً او كلياً، ولكن بعض الدول تمثلت في قمة دمشق بمستويات لا تملك حرية القرار والخيار، ورغم كل ذلك فها هو الرئيس بشار يحاول بذل كل ما في وسعه لإنعاش مؤسسة القمة العربية، ومنحها الكثير من الاهمية والفاعلية والاعتبار·
عموماً·· نحن نعتبر الجهود السورية المبذولة لاستعادة الوحدات الوطنية في فلسطين ولبنان والعراق جزءاً اساسياً من استعادة التضامن العربي، وقد بذلنا في الآونة الاخيرة، ومازلنا نبذل، كل الجهد لرأب الصدع وتخليق القواسم المشتركة بين سائر القوى والفصائل والتشكيلات في فلسطين ولبنان والعراق، انطلاقاً من ان سوريا لا يمكن ان تعيش خارج دورها القومي والاقليمي·
قلت : مادامت امريكا وراء فرط دول اعلان دمشق، هل من المستبعد ان تكون وراء تعطيل المثلث المركزي المصري - السوري - السعودي الذي طالما شكل ضمانة وصمام امان للتضامن العربي في اوقات سابقة، فيما نلاحظ اليوم ان العلاقة بين اطراف هذا المثلث قد بلغت حدود الاستعصاء ؟؟
قال : لا توجد حالة استعصاء في العلاقة السورية - المصرية برغم ما يعتريها من شوائب قابلة للمعالجة، اما العلاقة السورية - السعودية فهي دون المستوى الذي نطمح اليه، وهي تحتاج الى جهد مشترك للعودة الى ما كانت عليه ايام المغفور له الملك فهد الذي برع رغم كل الظروف في الحفاظ على بوصلة العمل العربي المشترك والدور المحوري لسوريا والسعودية في ذلك·
قلت : ولكنكم مازلتم تجاملون السعودية، وتتجنبون اي مساس بها وبسياساتها وقيادتها في الإعلام السوري، بينما لا توجد وسيلة اعلامية سعودية او متسعودة الا وتهاجمكم بسبب وبغير سبب·
قال : نحن لا نجامل احداً، بل نراعي ضرورات التضامن العربي ولو في اضيق الحدود، ونرفض الخوض في المهاترات الاعلامية منذ عهد المغفور له حافظ الاسد·· نحن نعرف ان اعلامهم يهاجمنا ويتهجم علينا، بدءاً من سيادة الرئيس، ودون ان يوفروا احداً، فقد هاجموني وهاجموا اللواء آصف شوكت وغيره من القيادات الوطنية، وبثوا حولنا من المزاعم والاكاذيب ما يندى له الجبين، ولكن نحن ندرك ان هذه الحملات الاعلامية هي محض تعبير وترجمة للهجمة التآمرية الكبرى على سوريا·
قلت : ولكن الذي زعم ان اللواء شوكت، صهر الرئيس السوري، ورئيس الاستخبارات العسكرية موجود قيد الاقامة الجبرية، كان زميلكم السابق عبدالحليم خدام، وليس الاعلام السعودي او غيره·
قال : كل ابناء الشعب السوري، وربما الشعب العربي يعرفون خدام كيف كان وكيف اصبح اليوم، وأودّ صادقاً ان تعلم ان اللواء شوكت مازال على رأس عمله، وهو يحظى بكامل ثقة القيادة، ولو كنت اعرف انك سوف تسألني عن اراجيف خدام، لكنت وجهت الدعوة للواء آصف لكي يشاركنا هذا الغداء، لعلك تحكم بنفسك على منسوب التضليل والتزوير في الحملات الظالمة الموجهة ضد سوريا·
قلت : بعد طول تجربتك في العملية السلمية منذ مؤتمر مدريد عام 1991 حتى اليوم، هل تعتقد ان الوساطة التركية بينكم وبين اسرائيل يمكن ان تسفر عن نتائج متقدمة تؤدي الى مفاوضات سورية - اسرائيلية مباشرة ؟؟
قال : نحن نعتقد ان الوساطة التركية قد وضعت العلاقة التركية - الاسرائيلية على المحك، وفي اعتقادنا ان التعنت الاسرائيلي اذا تواصل سوف يكشف للحكومة التركية النوايا الفعلية لاسرائيل·· اما على الصعيد السوري فنحن اعلم الناس بالمناورات الاسرائيلية، وبصعوبات الحل السياسي على جبهة الجولان، ولدينا اعتقاد راسخ ان تحصيل الحقوق الوطنية عبر التفاوض لا يمكن ان ينجح اذا لم يقتنعوا باننا قادرون على تحصيلها بوسائل اخرى·
عموماً·· ثوابتنا في مسألة الحل السياسي معروفة جيداً للاسرائيليين منذ مؤتمر مدريد، وهي الانسحاب التام حتى خط الرابع من حزيران عام 1967، واي طرح اسرائيلي لعلاقة سوريا بايران او غيرها من الدول والقوى، سوف يعني لنا عدم جدية تل ابيب في التوجه نحو الحل السياسي·· فليست سوريا هي الدولة التي تضحي بعلاقتها الاستراتيجية الثابتة مع اصدقائها وحلفائها ارضاءً لاسرائيل او غيرها·
قلت له مداعباً : نحن نعتبرك - بوصفك احد ابناء درعا - نصف سوري ونصف اردني·· فكيف ترى وتريد شكل العلاقة الاردنية - السورية ؟؟
قال : السيد الرئيس على علاقة جيدة ودائمة مع اخيه الملك عبدالله، هذا اولاً اما ثانياً فنحن في حزب البعث كنا قد اتخذنا قراراً في المؤتمر القطري الاخير يعتبر ان جزءاً من قوة سوريا ينبع من قوة علاقاتها مع دول الجوار في الاردن ولبنان والعراق وحتى تركيا التي غادرت سياساتها الطورانية وتمسكت بجذورها الاسلامية·
مؤخراً·· التقيت وفداً صحفياً اردنياً، وقد شرحت له ضرورات وحتميات متانة العلاقة الاردنية - السورية، ولعلك قرأت ما كتب اعضاء الوفد على لساني في صحفكم الاردنية·
قلت : بالأمس كان لديكم وفد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتفتيش على المنشأة التي ضربها اليهود قرب دير الزور·· فهل يكمن تكرار الاكذوبة العراقية النووية مع سوريا ؟؟
قال بغير اكتراث : هذا زمان مضى وانقضى ولا مجال لتكراره مع سوريا، لقد جمع الوفد عينات من تراب تلك المنشأة واخذوها معهم لتحليلها، ونحن واثقون انهم لن يعثروا على اية علائم نووية·
لعلك قد اعدتني بالذاكرة الى جلسة مجلس الامن الشهيرة في الخامس من شهر شباط عام 2003 حيث ادلى هانس بليكس بتقريره حول الاسلحة الكيماوية العراقية، وطالب في ختامه بتمديد مهماته حتى يتوصل الى نتائج قاطعة، ثم ادلى محمد البرادعي بتقريره حول الانشطة النووية العراقية، وكان التقرير مشوباً بالغموض والالتباس، الامر الذي دفعني، وكنت احضر تلك الجلسة كوزير للخارجية السورية، الى طلب لقاء البرادعي رئيس الوكالة الدولية، لكي اقول له : لا تنس انك عربي، وان هذا الموقف محسوب عليك تاريخياً، وان عليك ان تحدد الموقف بدقة، هل هناك اسلحة نووية ام لا·· وقد هزته هذه العبارة بقوة وارتفعت مصداقيته بشكل ملحوظ·
قلت : بالمناسبة، هل ترى ان هناك ضربة امريكية او اسرائيلية متوقعة للمنشآت النووية الايرانية ؟؟
قال سريعاً : مؤكد ان ضرب ايران من قبل امريكا واسرائيل، هو ضرب من الجنون، غير ان استبعاد مثل هذه الضربة نوع من الجنون ايضاً، فكل شيء في خريف ادارة بوش جائز، والعالم الآن يجتاز اصعب المراحل حيث الخيارات ملتبسة وغير واضحة، والدولار يتهاوى امام اسعار النفط التي بلغت ارقاماً فلكية، وليس هناك وجود فعلي للنظام الدولي بعد الانتهاك الامريكي المتكرر لميثاق الامم المتحدة، ويكفي التذكير بأن كل القرارات التي صدرت ضد العراق، منذ قرار حظر الطيران فوق شمال العراق وجنوبه كانت مخالفة نصاً وروحاً لميثاق الامم المتحدة·
قلت : اسمح لي بإبداء اعجابي بسعة افقك وخصب تجربتك وثراء موسوعتك السياسية والدبلوماسية، غير انني اود العودة بالاسئلة الى الشأن الداخلي، وتحديداً ما جرى الحديث عنه عقب تجديد البيعة للرئيس بشار منذ عام مضى، ألا وهو تشكيل حكومة جديدة·· فهل عدلتم عن تشكيل وزاري جديد ام ان الموضوع مازال غب الطلب ؟؟
ضحك كثيراً قبل ان يقول : طوال الفترة الصعبة الماضية كان جل جهدنا موجهاً لصد المكائد والمؤامرات والمخططات الخارجية، ومن هنا فلم يكن موضوع التشكيل الوزاري عاجلاً وملحاً امام هذا السيل من المخاطر والضغوط القادمة من وراء الحدود·· اما اليوم وبعد ان تبدلت الاحوال واستقرت الاوضاع فهناك حكومة جديدة سوف ترى النور قبل نهاية هذا العام·
سوريا تجتاز اليوم مرحلة جديدة تحتاج الى همة جديدة وتفرّغ كبير ومجهودات مضاعفة لملاحقة كل كبيرة وصغيرة، وتداركها قبل ان تستفحل وتتحول الى ازمة، سواء على صعيد الغلاء او الفساد او الروتين او البطالة·· الخ·
دارت عقارب الساعة غير دورة، واوشكت الوليمة الفخيمة على الاستئذان في الانصراف، وبات محتماً طرح السؤال المركزي الذي ادخرته لآخر المشوار·
قلت : سيادة النائب، انا اعتقد ان معجزة حقيقية قد انقذت سوريا من مصير خطير رسمه تحالف الاعداء الاجانب والعملاء العرب، منذ سقوط بغداد في نيسان 2003 والى ما قبل بضعة اشهر فقط·· فهل تشاطرني هذا الاعتقاد ؟؟ وهل تشرح لي حيثيات هذه المعجزة واسرارها ؟؟
صمت بأكثر من المعتاد، ثم قال بتؤدة شديدة: ما تقوله يشكل برهاناً ساطعاً على قدرة الرئيس بشار القيادية، وشهادة له بالحنكة والمهارة الاستراتيجية في التعامل مع الاحداث الصعبة رغم حداثة عهده، يضاف الى ذلك ان لدينا في قيادة الدولة والحزب رؤية واضحة، وعزيمة صلبة، وارادة فولاذية، ووحدة موقف شديد التماسك ولا اثر فيه لصراعات ونزاعات ومراكز قوى·
لدينا في القيادة تراث نضالي عريق في التعامل مع الازمات منذ عهد الرئيس الراحل حافظ الاسد، ونحن في كل يوم نراكم على هذا التراث، ونثبت للقاصي والداني ان الحمى السوري الصامد والمتمسك بالمبادئ والثوابت اقوى من كل مكائد الاعداء والمتربصين، واكبر من كل الذين حاولوا ومازالوا يحاولون النيل من نضاليته وثباته وحرية ارادته وقراراته وخياراته·
نعم·· أنا اتفق معك بان سوريا قد اجترحت معجزة خلال السنوات الخمس الاخيرة، لإنقاذ نفسها مما دبروه ضدها، والله هو الموفق·
كتبها ديلاور السباهي في 08:47 صباحاً ::
لا يوجد تعليق













